ابن عجيبة
336
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : فَإِنْ حَاجُّوكَ في الدين ، وخاصموك فيه ، بعد ما أقيمت الحجج على صحته ، فَقُلْ لهم : أما أنا فقد أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ ، وانقدت بكليتى إليه ، وتمسكت بدينه القويم ، الذي قامت الحجج على حقيته ، وكذلك من تبعني من المؤمنين . وخص الوجه بالانقياد ؛ لأنه أشرف الأعضاء ومحل ظهور المحاسن ، فإذا انقاد الوجه فقد انقاد الكل . وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى ، وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم من المشركين : أَ أَسْلَمْتُمْ كما أسلمت ، لما وضحت لكم من الحجة ؟ أم أنتم على كفركم بغيا وحسدا ؟ والاستفهام معناه الأمر ، كقوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أي : أسلموا ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وأنقذوا أنفسهم من الهلاك ، وَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرضوا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ، ولا يضرك عنادهم ، فقد بلغت ما أمرت به . وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ لا يخفى عليه من أسلم ممن تولى . روى أنه - عليه الصلاة والسلام - قرأ عليهم هذه الآية ، فقال لليهود : « أتشهدون أن عزيرا عبد اللّه ورسوله وكلمته ؟ » فقالوا : معاذ اللّه ، وقال للنصاوى : « أتشهدون أن عيسى عبد اللّه ورسوله ؟ » فقالوا : معاذ اللّه أن يكون عيسى عبدا . فنزل قوله تعالى : وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الآية . الإشارة : لا يليق بالفقير ، إذا توجه إليه الإنكار أو المجادلة والاستظهار ، إلا السكوت والإقرار ، والاستسلام بكليته لأحكام الواحد القهار ، إذ لا يرى فاعلا إلا اللّه ، فلا يركن إلى شئ سواه . وفي الحكم : « إنما أجرى الأذى عليهم لئلا تكون ساكنا إليهم ، أراد أن يزعجك عن كل شئ ، حتى لا تكون ساكنا إلى شئ » . وقال بعض العارفين : لا تشتغل قط بمن يؤذيك ، واشتغل باللّه يرده عنك ، وقد غلط في هذا خلق كثير ، اشتغلوا بمن يؤذيهم ، فطال عليهم الأذى مع الإثم ، ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم . ه . بالمعنى . وبهذا يأمر الشيخ أتباعه ، فإن انقادوا لأحكام الحق ، فقد اهتدوا إلى طريق الوصول ، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ، والهداية بيد السميع البصير . ثم وبّخ اليهود بما وقع لأسلافهم من البغي والفساد ، وهم راضون بذلك ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 21 إلى 22 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 22 ) قلت : إنما دخلت الفاء في خبر إنّ ؛ لتضمن اسمها معنى الشرط ؛ لعموم الموصول وإبهامه ، وهو خاص بإنّ ، دون ليت ولعل ؛ لأن « إن » لا تغير معنى الابتداء ، وإنما تؤكده . وقيل : الخبر : ( أولئك . . ) إلخ .